السبت، 19 أبريل 2025

أ. د. لطفي منصور .. الصَّراحَةُ والرِّياءُ:

أ. د. لطفي منصور
الصَّراحَةُ والرِّياءُ:
كَثِيرًا أُرَدِّدُ هَذا الْبَيْتَ:
أُحِبُّ صَراحَتِي قَوْلًا وَفِعْلًا
وَأَكْرَهُ أنْ أَمِيلَ إلَى الرِّياءِ
في اعْتِقادِي أَنَّ هَذِهِ الْحِكْمَةَ عَلَى أُسُسِ التَّرْبِيَةِ السَّلِيمَةِ. يَجِبُ أَنْ نُذَوِّتَها نَحْنُ، لِتَكُونَ جُزْأً لا يَنْفَصِمُ مِنْ أَخْلاقِنا. 
وَتَنْشِئَةُ أَوْلادَنا عَلَيْها واجِبٌ دِينِيٌّ وَتَرْبَوِيٌّ وَأَخْلاقِيٌّ لا غِنَى لَنا عَنْهُ.
الصَّراحَةُ والرِّياءُ لَفْظانِ مُتَضادّانِ فِي الْمَعْنَى وَالسُّلُوكِ.
الصَّراحَةُ لُغَةً الْوُضُوحُ وَالْبَيانُ، مِنْ صَرُحَ اللَّبَنُ إذا ذَهَبّتْ رَغْوَتُهُ، فَبانَ بَياضُهُ. وَلَبَنٌ صَرِيحٌ لا شائِبَةَ  فِيهِ . وَنَسَبٌ صَريحٌ: أَصِيلٌ غَيْرُ مَغْمُوزٍ. 
وَفي الْمَثَلِ: تَحْتَ الرَّغْوَةِ اللَّبَنُ الصَّرِيحُ، كَما تَقُولُ تَحْتَ الثُّلُوجِْ مُرُوجْ، وَخَلْفَ الْغُيُومْ نُجُومْ، تُقالُ لِمَنْ يَسْخَرُ مِنَ الظّاهِرِ، أّوْ يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَتِهِ وَيَسْتَخِفُّ بِهِ.
أَمّا الرِّياءُ فِهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَأَى مِنْ مَزِيِدِهِ راءَى يُرائِي رِياءً وَمُراءاةً. وَهُوَ أَنْ يُرِي الشَّخْصُ النّاسَ أَنَّهُ يُرْضُيهِمْ، وَيُريهِمْ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَيُصَلِّي وَقَلْبُهُ فاسِدٌ مَرِيضٌ، وَهذا هُوَ أَكْبَرُ النِّفاقِ .
أَوْ يُري مَلِكًا أَوْ أَمِيرًا أَو حاكِمًا أَنّهُ مَعَهُ وَبِجانِبِهِ. 
وَأَكْثَرُ ما يَحْدُثُ هذا مَعَ الْإخْوانِ وَالْأَصْدِقاءِ. وَعِنْدَما يَحْتاجُهُ صَدِيقُهُ يَنْخَزِلُ عَنْهُ وَذَلِكَ أَشَدُّ الْخَتْلِ والْخِذْلانِ . وَجاءَ في الْقُرْإنِ "الَّذينَ هُمْ يُراءُوُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ"
تَحْتاجُ الصََراحَةُ إلى الْقُوَّةِ والشَّجاعَةِ وَالنَّزاهَةِ وَالثِّقّةِ بِالنَّفْسِ. وَلَيْسَ كُلُّ واحِدٍ يَقْدِرُ عَلَيْها. عِنْدَئِذٍ تَكْثُرُ الْمَجامَلَةُ وَهِيَ أَضْعَفُ الْإيمانِ. قَدْ قالُوا "الصَّراحَةُ وَقاحَةٌ" قَدْ تُفْسِدُ الْعَلاقَةَ بَيْنَ الْأَصْدِقاءِ. وَأَحْيانًا تَكُونُ ضَرورِيَّةً مَعَ دَفْعِ الثَّمَنِ كما حَدَثَ مَعَ أبي الْعَلاءِ الْمَعَرِّي في مَجْلِسِ أَحَدِ الْأُمَراءِ، أَظِنَُهُ الصَّاحِبَ بنَ عَبّادٍ، وَكانَ يَبْغَضُ الْمُتَنَبِّي، لِأَنَّ الْأَخِيرَ تَرَفَّعَ عَنْ مَدْحِهِ، فَذَمُّوا الْمُتَنَبِّي، وَقَلَّلُوا مِنْ قيمَةِ شِعْرِهِ، فَلَمّا سَمِعَ الْمَعَرِّي هذا، وَكانَ مِنَ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ لِلْمُتَنَبِّي، قالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَنَبِّي إلَّا قَصِيدَةُ:
لَكِ يا مَنازِلُ في الْقُلُوبِ مَنازِلُ
أَقْفَرْتِ أَنْتِ وَهِنَّ مِنْكِ أَواهِلُ
لَكانَ أَشْعَرَ النّاسِ.
فَتَعَجَبَ الْقَوْمُ مِنْ هَذا الْحُكْمِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ لَيْسَتْ مِنْ عُيُونِ شِعْرِهِ. ثُمَّ فَطِنُوا إلى بَيْتٍ فيها هُوَ:
وَإذا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ ناقِصٍ
فَهِيَ الشَّهادَةُ لِي بِأَنِّي كامِلُ
فَصاحَ بِهِمُ الْأَميرُ: جُرُّوا هَذا الْأَعْمى، هُوَ يَعْنِي بَيْتَ: وَإذا أَتَتْكَ..
فَجَرُّوهُ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَجْلِسِ.
فَإذا صارَحْتُمْ فَاخْتارُوا الْبيئَةَ الْمُلائِمَةَ، وَالْأُسْلُوبَ الْمُلائِمَ، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْعَنِيفِينَ، فَإنَّ مِنْ كِبارِ الْكُتّابِ لا يَقْبَلُونَ تَصْحِيحَ أَخْطائِهِمْ وَيَنْفِرُونَ مِنْ هَذا وَيَعْتَبِرُونَها إهانَةً. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كان اللقاءُ يُضيءُ دربَ حياتِنا .. بقلم الأديبة لمياء العلي

كان اللقاءُ يُضيءُ دربَ حياتِنا ويُزهرُ الآتي بأجملِ موعدِ ورسمتُ بيتًا في الخيالِ لأجلِنا وغزلتُ ثوبَ الحلمِ من وردِ الغدِ لكنَّ ريحَ البين...