قصة قصيرة
عنوان لحظة إدراك أو لحظة ضياع
بقلم ✍️ ليلى رمضان ڤموح
أمسكتْ يداهُ الصغيرتانِ بأمِّه في فرحةٍ، وكانتْ عيناهُ تجولانِ عبرَ نوافذِ الفضولِ، وهو يتطلّعُ إلى مَن حولَه من المارَّةِ والدكاكينِ التي تنوّعتْ معروضاتُها.
توقّفَتِ الأمُّ، وهي تمسكُ بابنِها، أمامَ بائعٍ للمجوهراتِ من الحُليِّ الفضيّةِ الجميلةِ. أشرقتْ عيناها وهي تتفحّصُ تلك القطعَ، فقدْ كانَ البائعُ مُبدعًا في وصفِ بضاعته، وكانَ صوتُه كمِزمارِ داوودَ يُطربُ الآذانَ، ويَسرِقُ شغفَ النفسِ ليغرسَها بينَ حُلِيّه.
في دهشةٍ، شَدَّ انتباهَ الأمِّ خاتمٌ منقوشٌ بحروفٍ عربيّةٍ غايةٍ في الجَمالِ، وفي حينِ غفلةٍ منها، تركتْ يدَ ابنِها، وراحتْ تمسكُ بالخاتمِ لتتفقّده.
نظرَ رائدٌ إلى يدِه التي بدتْ وكأنّها تحرّرتْ من شيءٍ كانَ يُقيّدُها، وهامتْ روحُه في عالمٍ لم ترَهُ من قبلُ، وأيقظتْ فيها حبَّ الاكتشافِ. كانتْ قدماهُ تحثّانهِ على الرّكضِ، أمّا عيناهُ فقد تمَرّدَتا وأرادَتا رؤيةَ المزيدِ.
ذابَ الطفلُ بينَ المارَّةِ، ولم يَعُدْ له وجودٌ في خَربطةِ أمِّه، لتتفطّنَ هذه الأخيرةُ إلى فقدِها لابنِها، في حينٍ كانتْ تبحثُ عن شغفِها بينَ مصوغاتِ البائعِ.
تعالتْ صرخاتُ قلبِها قبلَ شفتيها، وهي تحاولُ عبثًا حملَ قدمَيْها على السَّيرِ.
تفطّنَ الولدُ إلى أنَّه ابتعدَ كثيرًا، فعادَ أدرَاجَهُ محاولًا البحثَ عن مكانِ أمِّه، وإذا به يرى مجموعةً من الناسِ متجمهرينَ. حاولَ المرورَ بينهم، فإذا به يرى أمَّهُ مغشيًّا عليها من كثرةِ الصُّراخِ.
ارتمى بينَ ذراعيها، وهو يقول: "لا عليكِ يا أمي، أنا هنا... مجرّدُ فُضولِ أطفالٍ".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق