الأحد، 13 أبريل 2025

أ. د. لطفي منصور التَّعْريفُ بِدِيوانِ الشّاعِر الْأَحْنَفِ الْعُكْبَرِيِّ (ت ٣٨٥ هج)

أ. د. لطفي منصور
التَّعْريفُ بِدِيوانِ الشّاعِر الْأَحْنَفِ الْعُكْبَرِيِّ (ت ٣٨٥ هج)
هُوَ لَيْسَ الْعُكْبَرِيُّ الَّذِي شَرَحَ دِيوانَ الْمُتَنَبِّي بِمُجَلَّدَيْنِ  . الِاثْنانِ مَنْسُوبانِ إلى عَكْبَرَا مَدِينَةٍ فِي الْعِراقِ .
هُوَ عَقِيلُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْواحِدِ النَّهْشَليُّ، إحْدَى قَبائِلِ تَمِيمٍ، لا نَعْرِفُ كَثِيرًا عَنْ حَياتِهِ.
أَمّا وَفاتُهُ فَكانَتْ سَنَةَ (٣٨٥ هج)
لَهُ تَرْجَماتٌ كَثيرَةٌ منها يّتيمَةُ الدَّهْرِ لِأَبي منصورٍ اَلثَّعالِبِي (٣:١١٧) وَتاريخُ بَغْدادَ لِلْبَغْدادِيِّ (٢:٣٠١هج).
اِشْتَهَرَ الْأَحْنَفُ بِشِعْرِ الْمُكْدِينَ، نِسْبَةً إلى الْكُدْيَةِ، وَهُمُ الْمُتَسَوِّلُونَ الشَّحّادُونَ الْمُحْتالُونَ، اِخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهِم، وَعُرِفُوا بِالسّاسانِيِّينَ.
وَهُمْ مِنَ الْفُرْسِ، وَيُقالُ إنَّهُمْ مِنْ بَقايا الشُّعُوبِ، وَلَهُمْ لُغَتُهُمْ الْخاصَّةُ بِهِمْ لا يَعْرِفُها غَيْرُهُمْ بِجانِبِ لُغَةِ الشَّعْبِ الّذِينَ يَسْكُنُونَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمِ كَالْعَرَبِيَّةِ.
وَبَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي نَسَبِهِمِ وَأنْماطِ حَياتِهِمْ اِقْتَنَعْتُ أَنَّهم (النَّوَرُ )الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ وَأَنا طِفْلٌ صَغيرٌ، إذْ سَكَنَتْ بَعْضُ عائِلاتِهِمْ في قَرْيَتِي وَيَعْتاشُونَ عَلى الْكُدْيَةِ وّالِاحْتِيالِ عَلى الْفَلّاحِينَ. وَمْنْهُمُ مُغَنُّونَ يَضْرِبُونَ بالدُّفِّ وَيَرْقُصُونَ هُمْ وَنِساؤُهُم، خاصَّةً في الْأَعْراسِ وَالْمُناسَباتِ.
حَتَّى الْآنَ إحْدَى نِسائِهِمْ وَتُدْعَى فَوْزِيَّةَ، كانَتْ لَها ثََنِيَّةَ ذَهَبٍ كانَتْ تُحْيِي الْأَفْراحَ، سَكَنَتُ فِي حارَتِنا، وَكانَتْ في الْمَساءِ تَطُوفُ عَلَى طَوابِينِ الْحارَةِ تَتَسَوَّلُ الْخُبْزَ، وَتَضَعُ الْأَرْغِفَةَ فَوْقَ رَأْسِها، وَثَمَنُ كُلِّ رَغِيفٍ زُغْرودَةٌ.
سَكَنُوا في خِيَمٍ مِنَ الْخَيْشِ، وَإنْ رَحَلُوا لا يَرْحَلُونَ إلّا في الْهاجِرَةِ، وَيَقْتَنُونَ السَّعادِينَ وَالْقُرُودَ، 
وَيُؤالِفًُنَها، وَيَجْمَعُونَ قُرُوشَهُمْ مِنَ الْمُشاهِدِينَ .
لا أَعْرِفُ مَدَى اهْتِمامِ الْأَحْنَفِ بِهِمْ حَتَّى يَنْظُمَ فيهمْ شِعْرًا، أََوْ يَرْوِي لَهُمُ شِعْرًا يَحْتَوِي عَلَى ألْفاظٍ مِنْ لُغَتِهِمْ لا نَفْهَمُها.
يَعُودُ الْفَضْلُ فِي وُصُولِ دِيوانِ الْعُكْبَرِي إلَيْنا إلى جامِعِهِ الْحَسَنُ ابْنِ شِهابِ بْنِ الْحَسَنِ الْعُكْبَرِي الْحَنْبَلي (ت ٤٢٨ هج). وَلَوْلاهُ لَضاعَ. وَفَقَدْنا شِعْرَ الْمُكْدِينَ)
وَقَدْ حَقَّقَ هّذا الدِّيوانَ الْكَبِيرَ سلطانُ بنُ سعْدِ السُّلٍطانِ عَنْ نُسْخَةٍ فَرِيدَةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي مَكْتَبَةِ الْمَلِكِ فَهْدٍ الْوَطَنِيَّةِ كُتِبَتْ سَنَةَ (٥٩٥ هج).
إلَيْكُمْ نَماذِجَ مِنْ شِعْرِ الْكُدْيَةِ:
قالَ الْعُكْبَرِيُّ يَصِفُ قِرْدًا لِأَحَدِ الْمُكْدِينَ:
مِنَ الْبَسيط
- إنِّي تَفَكّرْتُ في حَرْفِي عَلى أّدَبِي
وَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ عِلْمٌ وَتَسْبِيبُ
(تَسْبِيب: سَبَبٌ)
- وَجَدْتُ حَظِّي مِنَ الدُّنْيا وَزِينَتِها
وَكُلُّ شَيْءٍ فَمَكْتُوبٌ وَمَحْسُوبُ
- أَقَلَّ مِنْ حَظِّ قِرْدٍ فِي وَقاحَتِهِ
وَالْقِرْدُ ذُو ذَنَبٍ وَالْقِرْدُ مَقْبُوبُ
(مَقْبُوبٌ: ضامِرٌ)
- رَأَيْتُ فِي الْخُلْدِ قِرْدًا راكِبًا وَلَهُ
سَرْجٌ عَلَى الشَّاةِ مَثْفُورٌ وَمَلْبُوبُ
(الْخُلْدُ: قَصْرٌ بَناهُ الْمَنْصُورُ في بَغْدادَ، مَثْفُورٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّفْرِ، وَهُوَ السَّيْرُ في مُؤْخِرِ السَّرْجُ، مَلْبُوبٌ: مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّبَبِ، يُشَدِّ عَلَى صَدْرِ الدّابَّةِ لِيَمْنَعَ السَّرْجَ مِنَ الِاسْتِئْخارِ)
- قَدْ عَنَّها بِلِجامٍ وَهْوَ راكِبُها
مُكَرَّمٌ وَهْوَ مَحْبُوبٌ وَمَطْلُوبْ
(عَنَّها: وَضَعَ بِالشّاةِ الْعِنانّ وَهُوَ الرَّسَنُ.  
اُنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يَلْهُو الْخُلَفاءُ. فَلا عَجَبًا أَنْ لُقِّبَ يزيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ يَزِيدَ الْقُرُودِ)
- يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ مِنْ فَضْلِ مَكْسَبِهِ
وَيَغْتَدِي راكِبًا وَالْقِرْدُ مَحْجُوبُ
(يُجْدِي: مِنَ الْجُودُ، والضَّميرانِ في أَهْلِهِ وَمَكْسَبِهِ يَعُودانِ إلَى الْقِرْدِ، مَحْجُوبٌ: مَحْرُوسٌ بِالْحُرّاسِ كَما يَظْهَرِ فِي الْبَيْتِ الْآتِي)
- قُدّامُهُ حاجِبٌ كَلْبٌ وَيَتْبَعُهُ
قِرْدٌ كَبِيرٌ وَدُفٌّ وَهْو مَصْحُوبُ
(صُورَةٌ شِعْرِيَّةٌ جَميلَةٌ لِمََوْكِبٍ غَرِيبٍ، مَصْحُوبٌ: أَيْ أَصْحابُ الْمَوْكِبِ. الَّذِي يَضْرِبُ بِالدُّفِّ هُوَ الْقِرْدُ الصَّغيرُ الَّذي يَرْكَبُ الشّاةَ. وَهذا مِنْ حِيَلِ الْمُكْدينَ الَّذينَ عَرَفُوا كَيْفَ يَبْتَزُّونَ الْأَمْوالَ حَتَّى مِنْ قَصْرِ الْخَلِيفَةِ)
- في مَوْكِبٍ وَهْوَ مَحْسُودٌ بِجَمْعِهِمُ
مُعَظَّمٌ وَهْوَ مَلْقُوبٌ وَمَنْسُوبُ
(مَلْقُوبٌ: مِنَ اللَّقَبِ وَهُوَ النّبْزُ. الْمَعْنَى أَنَّ هَذا الْمَوْكِبُ هُناكَ مَنْ يَنْبُزُهُ أَيْ يَعِيبُهُ، وَهُناكَ مَنْ يَمْدَحُ نَسَبَهُ. لِأّنّّ السّاسانِيِّين
 النَّوَرَ يُنْسَبُونَ إلَى آلِ ساسانَ الْأكاسِرَةِ)
وَلِلْأَحْنَفُ الْعُكْبَرِي غَزَلٌ رائِعٌ بِجانِبِ شِعْرِ الْكُدْيَةِ. يَقُولُ: مِنَ الْخَفيفِ
- يا بَعِيدَ الْمَزارِ أَنْتَ قَرِيبٌ
مِنْ فُؤادي وَإنْ حَلَلْتَ بَعِيدا
- كَيْفَ يَرْوَى مِنْ ماءِ وَجْهِكَ طَرْفي
وَهْوَ ظامٍ وَقَدْ مَنَعْتَ الْوُرُودا
(ظامٍ أَصْلُها ظامِئٌ مِنَ الظّمَإِ، الْوُرُودُ: وُرُودُ الْماءِ، ويَعْني بِهُ الْوَصْلَ)
- كُلَّما زِدْتَ بِالتَّباعُدِ حُبَّيْ
كَ   م   أَعادَ الْبِعادُ حُبًّا  جَدِيدا
(حُبَّيْكَ: حُبِّي لَكَ)
- فَلَوَ إنِّي أَرَدْتُ ما عِشْتُ فِي الْحُبْ
بِ مَزيدًا لَما وَجَدْتُ مَزِيدّا
- مَنْ أَطاعَ الْهَوَى فَأَقْلَقَهُ التَّوْ
قُ لَقِيْ بِالصُّدُودِ خَطْبًا شَدِيدَا
(التَّوْقُ: الشَّوْقُ الشَّدِيدُ)
ملاحظةٌ:
الْأَبْياتُ الثَّلاثَةُ الْأَخيرَةِ مِنَ الْمُدَوَّرِ.
ا.ه. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق